ما الذي نعلّم أطفالنا أن يفعلوه بالشاشات؟
نشأتُ مع الشاشات. كانت ألعاب الفيديو والتلفزيون وبدايات الإنترنت جزءًا من الحياة اليومية عندما كنت طفلًا، لكنني لا أتذكر أن الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات كان يشغل بال الآباء بالقدر نفسه الذي يشغلهم به اليوم. كنا نلعب ألعاب الفيديو، ونشاهد الرسوم المتحركة، ونقضي وقتًا على الإنترنت، من دون أن نفكر كثيرًا في عدد الدقائق التي قضيناها أمام الشاشة.
أما اليوم، فالشاشات موجودة في كل مكان، ويستخدمها الأطفال لأغراض تتجاوز الترفيه بكثير. فهي جزء من دراستهم، وتواصلهم، وإبداعهم، وتعلّمهم، وحياتهم الاجتماعية، كما يستخدمونها أيضًا للعب ومشاهدة الفيديوهات. لذلك، إذا كانت مسائل النوم والنشاط البدني والوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الأجهزة مهمة، فأعتقد أن هناك سؤالًا آخر يستحق أن نطرحه معها: ماذا يفعل الأطفال فعلًا أمام هذه الشاشات؟
متى ينبغي أن يبدأ الأطفال باستخدام الشاشات؟
هناك توصيات واضحة إلى حد كبير فيما يتعلق بالرضع والأطفال الصغار جدًا: توصي كبرى المنظمات الصحية بالحد من تعرضهم للشاشات قدر الإمكان. وتوصي منظمة الصحة العالمية بعدم تعرّض الأطفال الرضع الذين تقل أعمارهم عن عام واحد للشاشات، كما لا توصي بوقت الشاشة الخامل للأطفال دون سن الثانية. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أيضًا بتجنب الشاشات قبل عمر 18 شهرًا، باستثناء مكالمات الفيديو، وتنصح بأن يكون إدخال الشاشات بين عمر 18 و24 شهرًا محدودًا، مع محتوى جيد وبوجود شخص بالغ.
الأسباب واضحة إلى حد كبير. خلال هذه السنوات الأولى، يحتاج الأطفال إلى الكثير من الحركة، والتفاعل مع الآخرين، واللعب، واستكشاف البيئة من حولهم بأنفسهم. ولا توجد أدلة كثيرة تُظهر أن الشاشات تقدم فوائد لا يمكن الحصول عليها من خلال هذه التجارب. وهذا لا يعني أن مشاهدة الطفل لفيديو لبضع دقائق تعني أنه تجاوز فجأة حدًا خطيرًا، ولا أن على الآباء الشعور بالذنب بسبب كل استثناء. فهذه التوصيات تشير قبل كل شيء إلى ما ينبغي إعطاؤه الأولوية خلال مرحلة يكون فيها نمو الطفل سريعًا بشكل خاص.
ومع تقدم الأطفال في العمر، تصبح الصورة أقل وضوحًا. فالتوصيات تميل عمومًا إلى وضع حدود لا إلى تجنب الشاشات تمامًا، ويتحول السؤال تدريجيًا من مجرد وجود الشاشة إلى المكان الذي تحتله في حياة الطفل.
وهنا تصبح فكرة «وقت الشاشة» أكثر تعقيدًا، لأن ساعة واحدة أمام الشاشة يمكن أن تعني تجارب مختلفة تمامًا.
ليس كل وقت أمام الشاشة متساويًا
قد يقضي طفل ساعة في مشاهدة سلسلة لا تنتهي من مقاطع الفيديو القصيرة، بينما يشاهد طفل آخر فيلمًا وثائقيًا عن الديناصورات، ويحاول طفل ثالث أن يفهم لماذا ترفض الشخصية التي أنشأها في لعبة فيديو أن تقفز. من الخارج، يمكن اختصار كل ذلك بكلمتين: «وقت الشاشة». لكن النشاط، ومستوى التركيز، وما يفعله الطفل فعليًا، قد تكون كلها مختلفة تمامًا.
هذا لا يعني أن بعض الأنشطة التي تتم عبر الشاشات جيدة بالضرورة وأن بعضها الآخر سيئ بالضرورة. فالفيلم الوثائقي ليس مفيدًا تلقائيًا لمجرد أنه تعليمي، ولعبة الفيديو ليست ضارة بالضرورة لمجرد أنها لعبة. عمر الطفل، والمحتوى، والسياق، وما يحل النشاط محلّه، كلها أمور ينبغي أخذها في الاعتبار.
وهناك أيضًا فرق بين استهلاك المحتوى والقيام بشيء بشكل نشط. فمشاهدة مقاطع فيديو قصيرة واحدًا تلو الآخر لا تتطلب جهدًا كبيرًا نسبيًا، باستثناء اتخاذ قرار الاستمرار أو الانتقال إلى المقطع التالي. أما تعلم الرسم من خلال درس تعليمي، أو البحث عن موضوع يثير فضول الطفل، أو ابتكار شيء بنفسه، فيتطلب مزيدًا من القرارات والانتباه والمشاركة.
وتجعل ألعاب الفيديو هذه المسألة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فبعض الألعاب تشجع على الاستكشاف وحل المشكلات والتجربة، بينما تعتمد ألعاب أخرى على جولات قصيرة، والتقدم في اللعبة، والعناصر التي يمكن فتحها، والمكافآت المستمرة. وفي الحالتين نتحدث ببساطة عن «لعب ألعاب الفيديو»، لكنهما قد يشجعان على سلوكيات مختلفة جدًا. وهذا لا يعني أننا بحاجة إلى تحديد أي الشاشات جيدة وأيها سيئة. بل يعني ببساطة أن عدد الدقائق وحده لا يخبرنا بكل شيء.
ماذا يحدث عندما نضيف المكافآت؟
تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام عندما تدخل المكافآت في الصورة. فالمكافآت موجودة بالفعل في جوانب كثيرة من حياة الأطفال. تستخدم الألعاب النقاط والمستويات والعناصر التي يمكن فتحها، وتستخدم المدارس المديح وبعض أشكال المكافآت، بينما يحيط بالبالغين أيضًا عدد كبير من برامج الولاء والمكافآت والتطبيقات التي تحول التقدم إلى إنجازات.
يمكن أن تكون المكافآت مفيدة، لكنها قد تؤثر أيضًا في الدافعية بطريقة ليست واضحة دائمًا. ففي تحليل تلوي نُشر عام 1999 وشمل 128 دراسة، بحث ديكي وكوستنر وريان في تأثير المكافآت الخارجية على الدافعية الداخلية. وأشارت نتائجهم إلى أنه، في ظروف معينة، يمكن أن يؤدي تقديم مكافأة خارجية مقابل نشاط يستمتع به الشخص أصلًا إلى انخفاض دافعيته الداخلية تجاه هذا النشاط لاحقًا، وخصوصًا عندما تتم إزالة المكافأة.
هذا لا يعني أن المكافآت سيئة، ولا أن الأطفال يجب ألا يحصلوا عليها أبدًا مقابل الأنشطة التي يحبونها. فالتأثيرات تعتمد، من بين أمور أخرى، على نوع المكافأة والطريقة التي يتم تقديمها بها. لكنه يدفعنا، كآباء، إلى التفكير في سؤال مهم: ما الذي نحاول فعلًا تشجيعه؟
إذا كان الطفل يحب القراءة أو الرسم أو بناء الأشياء أو اكتشاف الديناصورات بالفعل، فهل نحتاج بالضرورة إلى ربط هذه الأنشطة بمكافأة؟ قد يكون الحفاظ على هذا الفضول أكثر أهمية من تحويل كل نشاط يحبه الطفل إلى شيء يجب أن يكسبه.
ما الذي ينبغي أن نكافئ عليه؟
هذا أحد الأسباب التي تجعلنا نفضل التفكير في المكافآت باعتبارها مرتبطة قبل كل شيء بالمسؤوليات والمساهمة في الحياة الأسرية.
لا يحتاج الأطفال بالضرورة إلى نقاط لكي يكتشفوا أنهم يحبون القراءة أو الرسم. كما أنهم لا يحتاجون بالضرورة إلى مكافأة لكي يقضوا فترة بعد الظهر في استكشاف موضوع يثير اهتمامهم. لكنهم قد يحتاجون إلى التشجيع على وضع ملابسهم في سلة الغسيل، أو ترتيب غرفهم، أو المساعدة في إعداد المائدة، أو اتباع روتينهم الصباحي.
هذه المسؤوليات جزء طبيعي من عملية النمو، وتتغير مع اكتساب الأطفال مزيدًا من الاستقلالية. ومن الطبيعي ألا تكون توقعاتنا من طفل في الخامسة من العمر هي نفسها توقعاتنا من طفل في الثانية عشرة. الهدف ليس إنشاء قائمة ثابتة من الأعمال المنزلية، بل منح الأطفال مسؤوليات أكبر تدريجيًا ومساعدتهم على رؤية تقدمهم بأنفسهم.
وهنا يمكن لنظام المكافآت أن يكون مفيدًا، من دون أن يحول الحياة الأسرية إلى صفقة. فبدلًا من ربط مكافأة محددة بكل مهمة، يمكن للأطفال جمع النقاط نتيجة جهودهم، ومنحهم قدرًا من الحرية في اختيار كيفية استخدامها. وبذلك تصبح المكافأة نتيجة لجهودهم، بدلًا من أن تكون شيئًا يجب ربطه بكل مهمة حتى نتمكن من تحفيزهم على القيام بها.
ويمكن أن تكون هذه المكافأة وقتًا إضافيًا أمام الشاشة. فإذا كان الطفل يحب لعب Roblox أو لعبة الفيديو المفضلة لديه، فلا مشكلة في أن يكون بعض وقت اللعب الإضافي أحد الخيارات المتاحة للمكافأة. ويمكنه أيضًا أن يختار السهر قليلًا لمشاهدة فيلم مع العائلة، أو توفير نقاطه للحصول على مكافأة أكبر، أو اختيار نشاط آخر يستمتع به الجميع. المهم هو أن يبقى وقت الشاشة خيارًا من بين خيارات أخرى، لا أن يكون المكافأة الافتراضية في كل مرة.
وماذا عن استخدام الشاشة للتعلم أو الإبداع؟
هذا التمييز مهم أيضًا عندما يستخدم الأطفال الشاشات للتعلم أو الإبداع. فإذا أراد الطفل أن يقضي فترة بعد الظهر في تعلم البرمجة، أو البحث عن أسماك القرش، أو إعداد فيديو، أو إنشاء لعبة صغيرة، فإن مجرد حساب الدقائق التي قضاها أمام الجهاز لا يخبرنا بالكثير عما يفعله فعلًا.
لقد عشنا هذا الأمر في المنزل أيضًا. يستخدم أحد أطفالنا الذكاء الاصطناعي معنا لإنشاء لعبة فيديو صغيرة. يقترح أفكارًا، ونتناقش في كيفية عمل اللعبة، ونجرب الأشياء، ونفسد بعضها، ونحاول معرفة سبب عدم عملها، ثم نحسن النتيجة تدريجيًا.
من الناحية التقنية، هذا وقت أمام الشاشة، لكنه أيضًا مشروع إبداعي، وتمرين على حل المشكلات، وفرصة لتعلم كيفية عمل البرمجيات. وهذا لا يعني أن هذا الوقت يجب أن يكون بلا حدود، أو أنه أفضل بالضرورة من لعب لعبة أو مشاهدة فيلم. بل يعني ببساطة أن وضع كل هذه الأنشطة في الفئة نفسها لمجرد أنها تتم عبر شاشة ليس مفيدًا بشكل خاص.
لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمدة الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، بل أيضًا بما يفعله بها.
وماذا عن الروتين اليومي؟
هذه الطريقة في النظر إلى المسؤوليات هي في الواقع أحد الأسباب التي دفعتنا إلى إنشاء Groowble. فقد أدركنا في المنزل أن كثيرًا من النقاشات الصعبة حول المهام اليومية لم تكن تتعلق بالمهام نفسها. بل كانت تنشأ أساسًا من الحاجة إلى تذكير الأطفال بما عليهم فعله بعد ذلك، وكان كل تذكير قد يتحول إلى تفاوض صغير جديد.
الصباح مثال جيد على ذلك. ارتداء الملابس، وتناول الإفطار، وتنظيف الأسنان، وتجهيز حقيبة المدرسة، والخروج من المنزل، كلها أمور بسيطة نسبيًا. لكن عندما يحتاج كل جزء منها إلى أن يذكر شخص بالغ الطفل بما يجب أن يفعله بعد ذلك، تصبح العملية كلها مرهقة للجميع. تحويل هذه الخطوات إلى روتين واضح يمنح الأطفال إطارًا يمكنهم اتباعه بأنفسهم، ويمكنهم تعلم إدارته تدريجيًا بمزيد من الاستقلالية.
وتنطبق الفكرة نفسها بعد المدرسة، سواء تعلق الأمر بوضع الملابس في سلة الغسيل، أو ترتيب الأغراض، أو أداء الواجبات المدرسية، أو الاستعداد للمساء. قد تتغير المسؤوليات مع العمر، لكن المبدأ يبقى نفسه: يتعلم الأطفال تدريجيًا تحمل مسؤولية الأشياء التي تشكل جزءًا من الحياة اليومية للأسرة.
إذا كنتم تبحثون عن أفكار، فقد أعددنا دليلًا للمهام المناسبة للأطفال من عمر 4 إلى 14 عامًا، مع أمثلة يمكن تطويرها مع اكتساب الأطفال مزيدًا من الاستقلالية.
متى يصبح وقت الشاشة مفرطًا؟
لا توجد على الأرجح مدة واحدة تناسب جميع الأطفال وجميع الأسر. فالعمر مهم، وكذلك النوم، والنشاط البدني، ونوع المحتوى، والسياق الذي تُستخدم فيه الشاشة، وما يحل هذا النشاط محلّه.
وهذا لا يعني أن وضع الحدود غير ضروري. فما زال الأطفال بحاجة إلى المساعدة في تعلم متى يضعون أجهزتهم جانبًا، وما زال للبالغين دور مهم في وضع إطار يتعلق بالنوم والنشاط البدني وغيرها من جوانب الحياة الأسرية. لكن إلى جانب السؤال عن المدة التي قضاها الطفل أمام الشاشة، قد يكون من المفيد طرح أسئلة أخرى: ماذا يفعل؟ هل يستهلك المحتوى، أم يتعلم، أم يبدع، أم يتفاعل مع الآخرين؟ هل يختار ما يفعله، أم يتبع ببساطة ما يأتي بعد ذلك؟ وما السلوكيات التي نعززها فعلًا؟
ستكون الشاشات جزءًا من حياة أطفالنا. وبدلًا من النظر إليها على أنها شيء لا يمكن تنظيمه إلا من خلال عدّ الدقائق، يمكننا أيضًا مساعدة الأطفال على فهم أن الجهاز نفسه يمكن أن يُستخدم لاستهلاك المحتوى، واللعب، والتعلم، والإبداع، والتواصل.
في Groowble، ننظر إلى المكافآت بالطريقة نفسها. الهدف ليس أن يضطر الأطفال إلى كسب كل نشاط يستمتعون به، ولا تحويل الحياة الأسرية إلى نظام نقاط ضخم. بل أن نجعل الجهد والتقدم أكثر وضوحًا، وأن نمنح الأطفال قدرًا من الاختيار فيما يريدون تحقيقه، وأن نساعدهم على أن يصبحوا أكثر استقلالية تدريجيًا. وطريقتنا في التعامل مع القواعد والمكافآت التي يفهمها جميع أفراد الأسرة تنطلق من الفكرة نفسها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأكثر فائدة هو فقط: «متى يصبح وقت الشاشة مفرطًا؟»، بل أيضًا:
ما الذي نعلّم أطفالنا أن يفعلوه باستخدام شاشاتهم؟